أحمد بن عميرة المخزومي
129
تاريخ ميورقه
خروج أبي حفص بن شيري من البلد وتمام الأخبار عن مفارقة روح الإيمان لذلك الجسد ولما رأى ابن شيري أن العدو قد استشرى ، وطمس على / 43 / المسلمين طريق البشرى ، ولم يشك أن حامل الدّاهية تطلق « 1 » ، وأن المدينة بأكبر الرزايا تصبّح أو تطرق ، خرج إلى البادية بنجدة يعدّها ، ونصرة يستجدّها ، وليسعى في إفساد ما كان بين أهلها وبين النصارى من وصلة قاطعة ، وهدنة خارقة غير رافعة ، عائدة بكل قارعة . فجمعهم ووعظهم ، ومن سنة تلك الجهالة أيقظهم ، وتولّى أمرهم على ألّا يتولى أحد منهم كافرا ، وأن يكون له بقلبه ووجهه منافيا منافرا . فأجابوه لما شرط ، وقبضوا من الرّوم ما كان انبسط ، وأجمعوا على الانقطاع من معسكرهم ، وقتلوا من كان منهم بين أظهرهم . فأوجس الرّوم منهم خيفة « 2 » ، ورأوا الشدائد بهم مطيفة ، وقالوا إن احتبست المدينة ، وانقطعت عنّا الميرة المعينة ، والبرد قد خشن جانبه ، والبحر قد خشي راكبه ، وهدنة الرّعية قد انتقضت ، وأيام إرفادها وإرفاقها قد انقضت ، فنحن في قبضة الهلك ، وطريق النّجاة عويصة السلوك على الخيل والفلك . ولم يبق إلّا أن نقاتل البلد « 3 » بجملتنا ، ونصدمه بسيل حملتنا ،
--> ( 1 ) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلف الشدائد وعظائم النوائب التي أصابت أهل ميورقة بسبب الحصار المفروض عليهم ، بالمرأة الحامل حين يأتيها الطّلق وهو وجع الولادة . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام : " فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ " . سورة هود ، الآية 70 . وإلى قوله تعالى أيضا " فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ " . سورة الذاريات ، الآية 28 . ( 3 ) مجاز مرسل لأن القتال لا يكون للبلد بل لأهلها .